الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
273
نفحات الولاية
والتعبير بالزرع عن الدنيا والآخرة هو اقتباس من الآية الشريفة : « مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ » « 1 » . يمكن للدنيا أن تكون مزرعة الآخرة ، كما يمكنها أن تكون مزرعة لنفسها . ويذرها الأعمال الحسنة والسيئة ، وأعمالها الحسنة كالحبة التي تنبت سبع سنابل وفي كل سنبلة مأة حبة ، أمّا الأعمال السيئة فهي البذور التي تزرع في الأراضي المالحة : « لا يَخْرُجُ إِلّا نَكِداً » « 2 » . وتشير العبارة الأخيرة ضمنيا إلى أنّ الأعمال الصالحة والطالحة إنّما تفرزها طبيعة الاعتقادات القوية والضعيفة . تأمّل : العلماء الحقيقيون أوضح الإمام عليه السلام بجلاء في هذه الخطبة صفات العلماء ، ومن تشبه بهم من علماء السوء ، فكان في مقدمتها عدم معرفة قدر النفس . عدم معرفة قدر النفس إزاء عظمة الله ، ولا قدره تجاه المجتمع ، ولا قدر نفسه حيال نفسه . ومن لم يعرف قدر نفسه فانّه سيتيه في أمواج من الجهل والبؤس والحيرة والشقاء ، حتى يكله الله إلى نفسه فيضل في خضم هذه الحياة ؛ فهو لا يرى سوى النعم المادية ، وعليه فالدنيا عنده ماء ، والآخرة سراب من الهواء . والحلال والحرام والحق والباطل لديه على حد سواء ؛ وهو ينطلق نحو المال والمقام وكأنّها أوجب الواجبات ، بينما يتقاعس عن واجباته وكأنّها من المحرمات . وقد أوردنا شرحاً مفصلًا بهذا الخصوص في الخطبة السابعة عشر من المجلد الأول ، ولا حاجة للتكرار .
--> ( 1 ) سورة الشورى / 20 . ( 2 ) سورة الأعراف / 58 .